فصل: تفسير الآيات (36- 44):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.سورة المعارج:

.تفسير الآيات (1- 18):

{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18)}

.شرح الكلمات:

{سأل سائل}: أي دعا داع بعذاب واقع.
{ليس له دافع من الله}: أي فهو واقع لا محالة.
{ذي المعارج}: أي ذي العلو والدرجات ومصاعد الملائكة وهي السموات.
{تعرج الملائكة والروح إليه}: أي تصعد الملائكة وجبريل إلى الله تعالى.
{في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}: أي تصعد الملائكة وجبريل من منتهى أمره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السموات السبع في يوم مقداره خمسون ألف سنة بالنسبة لصعود غير الملائكة من الخلق.
{إنهم يرونه بعيداً}: أي العذاب الذي يطالبون به لتكذيبهم وكفرهم بالبعث.
{يوم تكون السماء كالمهل}: أي كذائب النحاس.
{وتكون الجبال كالعهن}: أي كالصوف المصبوغ ألوانا في الخفة والطيران بالريح.
{ولا يسأل حميم حميما}: أي قريب قريبه لانشغال كل بحاله.
{يبصرونهم}: أي يبصر الأَحْماء بعضهم بعضا ويتعارفون ولا يتكلمون.
{وصاحبته}: أي وزوجته.
{وفصيلته التي تؤويه}: أي عشيرته التي تضمه إليها نسباً وتحميه من الأذى عند الشدة.
{إنها لظى نزاعة للشوى}: أي ان جهنم هي لظى نزاعة للشوى جمع شواة جلدة الرأس.
{أدبر وتولى}: أي عن طاعة الله ورسوله وتولى عن الإِيمان فأنكره وتجاهله.
{وجمع فأوعى}: أي جمع المال وجعله في وعاء ومنع الله تعالى فيه فلم ينفق منه في سبيل الله.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع} هذه الآيات نزلت رداً على دعاء النضر بن الحارث ومن وافقه اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأكطر علينا حجارة من السماء أو إئتنا بعذاب أليم فأخبر تعالى عنه بقوله: {سال سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله} أي انه واقع لا محالة إذ ليس له دافع من الله {ذي المعارج} أي صاحب العلو والدرجات ومصاعد الملائكة وهي السموات وقوله تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه} أي تصعد الملائكة وجبريل إليه تعالى {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} أي يصعدون من منتهى أمره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السموات السبع في يوم مقداره خمسون ألف سنة بالنسبة لصعود غير الملائكة من الخلق {فاصبر صبراً جميلاً} وقوله تعالى: {إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً} يعني أن المشركين المكذبين يرون العذاب بعيدا لتكذيبهم بالبعث الآخر. ونحن نراه قريبا ويبين تعالى وقت مجيئه فقال: {يوم تكون السماء كالمهل} أي تذوب فتصير كذائب النحاس {وتكون الجبال كالعهن} أي الصوف المصبوغ خفه وطيرانا بالريح وهذا هو الانقلاب الكوني حيث فني كل شيء ثم يعيد الله الخلق فإِذا الناس في عرصات القيامة واقفون حفاة عراة {لا يسأل حميم حميما} لانشغال كل بنفسه كما قال تعالى: {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} عن السؤال عن غيره أو عن سؤال غيره وقوله تعالى: {يبصرونهم} أي عدم سؤال بعضهم بعضا ليس ناتجا عن عدم معرفتهم لبعضهم بعضاً لا بل يبصرهم ربهم بهم فيعرف كل قريب قريبه ولكن اشتغاله بنفسه يحول دجون سؤال غيره، ويشرح هذا لمعنى قوله تعالى: {يودّ المجرم} أي ذو الاجرام على نفسه بالشرك والمعاصي لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه أي أولاده الذكور ففضلا عن الإِناث وصاحبته أي زوجته وأخيه وفصيلته التي تؤويه بأن تضمنه إلى نسبها والفصيلة العشيرة انفصلت من القبيلة ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه لنتصرو عذابا يود المجرم من خوفه منه أن يفتدي بكل شيء في الأرض كيف يكون؟ ومن هنا يرى القريب قريبه ولا يسأله عن حاله لانشغال نفسه عن نفس غيره.
وقوله تعالى: {كلا} أي لا قرابة يومئذ تنفع ولا فداء يقبل {إنها} أي جهنم {لظى نزاعة لشوى} أي لجلدة الراس ولكل عضو غير قاتل للإِنسان إذا نزع منه. تدعو أي جهنم المسماة لظى تدعو تنادي إليّ يا من ادبر عن طاعة الله ورسوله وتركها ظهره فلم يلتفت إليها وتولى عن الإِيمان فلم يطلبه تكميلا له ليصبح إيمانا يحمله على الطاعات وجمع الأموال فأوعاها في أوعية ولم يؤد منها الحقوق الواجبة فيها من زكاة وغيرها إذ في المال حق غير الزكاة.
ومن دعته جهنم دفع إليها دفعاً كما قال تعالى: {يوم يُدَعُّون إلى نار جهنم دعا} نعوذ بالله من جهنم وموجباتها من الشرك والمعاصي.

.من هداية الآيات:

1- حرمة سؤال العذاب فإِن عذاب الله لا يطاق ولكن تسأل الرحمة والعافية.
2- وجوب الصبر على الطاعة وعلى البلاء فلا تسخّط ولا تجزع.
3- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
4- عظم هول الموقف يوم القيامة وصعوبة الحال.
5- التنديد بالمعرضين عن طاعة الله ورسوله الجامعين للأموال المشتغلين بها حتى سلبتهم الإِيمان والعياذ بالله فأصبحوا يشكُّون في الله وآياته ولقائه.

.تفسير الآيات (19- 35):

{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)}

.شرح الكلمات:

{إن الإنسان خلق هلوعا}: أي إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعا أي كثير الجزع سريعه وكثير المنع حريصا عليه.
{على صلاتهم دائمون}: أي لا يقطعونهات أبداً ما داموا أحياء يعقلون.
{حق معلوم}: أي نصيب معيّن عينه الشارع وهو الزكاة.
{للسائل والمحروم}: أي الطالب الصدقة والذي لا يطلبها حياء وتعففا.
{يصدقون بيوم الدين}: أي يؤمنون بيوم القيامة للبعث والجزاء.
{مشفقون}: أي خائفون متوقعون العذاب عند المعصية.
{لفروجهم حافظون}: أي صائنون لها عن النظر إليها وعن الفاحشة.
{أو ما ملكت أيمانهم}: أي من السُّريات من الجواري التي يملكونها.
{فأولئك هم العادون}: أي المعتدون الظالمون المتجاوزون الحلال إلى الحرام.
{لأماناتهم}: أي ما ائتمنوا عليه من أمور الدين والدنيا.
{راعون}: أي حافظون غير مفرطين.
{قائمون}: أي يقيمون شهاداتهم لا يكتمونها ولا يحرفونها.
{يحافظون}: أي يؤدونها في أوقاتها في جماعات مع كامل الشروط والأركان والواجبات والسنن.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {إن الإِنسان} أي هذا الآدمي المنتصب القامة الضاحك الذي سمي بالإِنسان لأنسه بنفسه ورؤية محاسنها ولنسيانه واجب شكر ربّه هذا الإِنسان {خلق هلوعاً} قابلا لوصف الهلع فيه عند بلوغه سن التمييز والهلع مرض نفسي عرضه الذي يُعرَف به جزعه الشديد متى مسه الشر، ومنعه القوي للخير متى مسه وظفر به. فقد فسر تعالى الهلع بقوله، {إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً}. ثم ذكر تعالى ما يعالج به هذا المرض باستثنائه من جنس الإِنسان من يتصفون بالصفات الآتية وهي عبارة عن عبادات شرعية بعضها فعل وبعضها ترك من شأنها القضاء على هذا المرض الخطير المسمى بالهلع والذي لا يعالج إلا بما وصف تعالى في قوله:
1- إدامة الصلاة بالمواظبة عليها ليل نهار إذ قال تعالى: {إلا المصلين الذي هم على صلاتهم دائمون} وبشرط أن تؤدى غيماناً واحتساباً وأداءً صحيحا بمراعاة شروطها وأركانها وسننها.
2- الاعتراف بما أوجب الله في المال من حق وإعطاء ذلك الحق بطيب نفس لمن سأل ولمن لم يسال ممن هم أهل للزكاة والصدقات لقوله: {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}.
3- التصديق الكامل بيوم القيامة وهو البعث والجزاء لقوله تعالى: {والذين يصدقون بيوم الدين}.
4- الاشفاق والخوف من عذاب الله عند عروض خاطر المعصية بترك واجب أو فعل محرم لقوله تعالى: {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} أي دائما وأبداً لأن عذاب ربهم غير مأمون الوقوع.
5- حفظ الفرج بستره عن أعين الناس م عدا الزوج وصيانته من فاحشة الزنا واللواط وجلد عميرة أي الاستمناء باليد والمعروف اليوم بالعادة السرية لقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} من السراري {فإنهم غير ملومين} في إتيانهم أزواجهم وجواريهم اللائي ملكوهنّ بالجهاد أو الشراء الشرعي وقوله تعالى: {فمن ابتغى} أي طلب ما وراء الزوجة والسريّة {فأولئك هم العادون} أي الظالمون الذين تجاوزوا الحلال إلى الحرام فكانوا بذلك معتدين ظالمين.
6- حفظ الأمانات والعهود ومن أبرز الأمانات وأقوى العهود ما التزم به العبد من عبادة الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله والوفاء بذلك حتى الموت زيادة على أمانات الناس والعهود لهم الكل واجب الحفظ والرعاية لقوله: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} أي حافظون.
7- إقامة الشهادة بالاعتدال فيها بحيث يؤذيها ولا يكتمها ويؤديها قائمة لا اعوجاج فيها لقوله تعالى: {والذين هم بشهاداتهم قائمون}.
8- المحافظة على الصلوات الخمس مستوفاة الشروط والركان من الخشوع إلى الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال في القيامة لقوله تعالى: {والذين هم على صلاتهم يحافظون} بعد أدائها وعدم قطعها بحال من الأحوال.
فهذه الوصفة الربانية متى استعملها الإِنسان المؤمن تحت إشراف عالم ربّاني إن وجده وإلاّ فتطبيقها بدون إشراف ينفع بإِذن الله متى اجتهد المؤمن في حسن تطبيقها برئ من ذلك المرض الخطير واصبح أهلا لإِكرام الله تعالى في الدار الآخرة قال تعالى في ختام هذه الوصفة {أولئك في جنّات مكرمون} أي أولئك المطبقون لهذه الوصفة الناجحون فيها {في جنّات مكرمون} في جوار ربهم اللهم اجعلنا منهم يا غفور يا رحيم.

.من هداية الآيات:

1- بين شر صفات الإِنسان وانها الهلع.
2- بيان الدزاء لهذا الداء داء الهلع الذي لا فلاح معه ولا نجاح.
3- انحصار العلاج في ثماني صفات أو ثماني مركبات دوائية.
4- وجوب العمل بما اشتملت عليه الوصفة من واجبات.
5- حرمة ما اشتملت عليه الوصفة من محرمات.

.تفسير الآيات (36- 44):

{فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)}

.شرح الكلمات:

{قبلك مهطعين}: أي نحوك مديمي النظر إليك.
{عزين}: أي جماعات حلقا حلقا يقولون في استهزاء بالمؤمنين لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلها قبلهم.
{إنا خلقناهم مما يعلمون}: أي من منيّ قذر وإنما يستوجب دخول الجنة بالطاعات المزكية للنفوس.
{على أن نبدل خيرا منهم}: أي إنا لقادرون على أن نهلكهم ونأتي بأناسٍ خير منهم.
{وما نحن بمسبوقين}: أي بعاجزين على إيجاد ما ذكرنا من اهلاك القوم والإِتيان بخير منهم.
{يوم يخرجون من الأجداث}: أي من القبور مسرعين إلى المحشر.
{سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون}: أي كأنهم في إسراعهم إلى المحشر إلى نصب أي شيء منصوب كراية أو علم يسرعون.
{ترهقهم ذلة}: أي تغشاهم ذلة.
{ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون}: أي يوعدون بالعذاب فيه وهو يوم القيامة؟

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {فما للذين كفروا قبلك مهطعين} يخبر تعالى مقبحا سلوك المشركين إزاء رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول ما للذين كفروا من كفار مكة قبلك أي جهتك حيث كنت في المسجد الحرام مهطعين أو مسرعين مديمي النظر إليك عن اليمين وعن الشمال عزين أي عن يمينك وعن شمالك عزين جمع عزة أي جماعة فهم حلق حلق يستمعون إلى قراءتك بحثا عن كلمة يمكنهم أن يشنعوا بها عليك ويجعلونها مطعنا في دعوتك أي سخرية يسخرون بها وبك ويقولون استهزاء بالمؤمنين لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنها قبلهم فرد تعالى عليهم منكرا طمعهم الفارغ بقوله: {ايطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم} أي بستان إكرام وتنعم كلا لن يتم هذا لهم ولن يكون وهم أنجاس الأرواح بالشرك والمعاصي، ولفت النظر إلى أصل الخلقة وهي المنيّ القذر والقذر لا يدخل دار السلام فمن اراد الجنة فليزك نفسه وليطهرها بالإِيمان والعمل الصالح مبعداً لها عما يُدَسّيها من الشرك والمعاصي وهو ما تضمنه قوله تعالى: {إنا خلقناهم مما يعلمون} وقوله عز وجل: {فلا أقسم بربّ المشارق والمغارب} أي فلا الأمر كما يتصورون من أنهم لا يبعثون بعد موتهم أقسم برب المشارق الثلاثمائة والستين مشرقا ومغربا حيث الشمس تطلع كل يوم في مطلع وتغرب في آخر لا تعود إليه إلاَّ بعد سنة في مثل ذلك اليوم فأقسم تعالى بنفسه، والمقسم عليه قوله: {إنَّا لقادرون} أي على أن نهلكهم ونأتي بخير منهم {وما نحن بمسبوقين} أي عاجزين عن ذلك فكيف إذاً لا نعيدهم أحياء بعد موتهم يوم القيامة {فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون} أي أمر تعالى رسوله أن يتركهم وما يخوضون فيه من اللهو واللعب والباطل في القول والعمل، وهو تهديد خفي لهم {حتى يلاقوا} على ما هم عليه من أدران الشرك وأوضار المعاصي يومهم الذي يوعدون بالعذاب فيه وهو يوم القيامة وشرح حال اليوم فقال يوم يخردون من الأجداث أي القبور جمع جدث سراعاً أي مسرعين كأنهم إلى نصب أي شيء منصوب من راية أو علم أو تذكار يوفضون أي يحشرون مسرعين حال كون أبصارهم خاشعة أي ذليلة من الفزع والخوف ترهقهم ذلة أي تغشاهم ذلة عجيبة عظيمة.
وقوله تعالى: {ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون} أي هذا هو اليوم الذي كانوا يوعدون بالعذاب فيه وهو يوم القيامة الذي أنكروه وكذبوا به ها هو ذا قد حصل فليتجرعوا غصص الندم وألوان العذاب.

.من هداية الآيات:

1- بيان الحال التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة بين ظهراني قريش وما كان يلاقي من اذاهم.
2- بيان أن الجنة تدخل بالطهارة الروحية من قذر الشرك والمعاصي وإلاّ فأصل الناس واحد المنيّ القذر باستثناء آدم وحواء وعيسى فآدم أصله الطين وحواء خلقت من ضلع آدم، وعيسى كان بنفخ روح القدس في كم درع مريم فكان بكلمة الله تعالى ومن عدا الثلاثة فمن كاء مهين ونطفة قذرة.
3- الاستدلال بالنشأة الأولى على إمكان الثانية.
4- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
5- بيان أن حياة أهل الكفر مهما تراءى لهم ولغيرهم أنها حياة مدنية سعيدة لم تَعد كونها باطلا ولهوا ولعباً.

.سورة نوح:

.تفسير الآيات (1- 4):

{إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)}

.شرح الكلمات:

{إنا أرسلنا نوحا إلى قومه}: أي أهل الأرض كافة والدليل إغراقهم أجمعين.
{أن أنذر قومك}: أي بإِنذار قومك.
{إني لكم نذير مبين}: أي بين النذارة ظاهرها.
{أن اعبدوا الله}: أي وحده بفعل محابه وترك مكارهه ولا تشركوا به شيئا.
{واتقوه}: فلا تعصوه بترك عبادته ولا بالشرك به.
{وأطيعون}: فيما آمركم به وأنهاكم عنه لأني مبلغ عن الله ربي وربكم.
{يغفر لكم من ذنوبكم}: أي ذنوبكم التي هي الشرك والمعاصي فمن زائدة لتقوية الكلام أو هي تبعيضية لأن ما كان حقا لآدمي كمال وعرض لا يغفر إلا بالتوبة.
{ويؤخركم إلى أجل مسمى}: أي إلى نهاية آجالكم المسماة لكم في كتاب المقادير فلا يعجل لكم بالعذاب.
{إن أجل الله}: أي بعذابكم.
{لا يؤخر}: إن لم تؤمنوا.
{لو كنتم تعلمون}: أي لآمنتم.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه} يخبر تعالى لافتاً نظر منكري رسالة نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم من مشركي قريش وكفار مكة أن محمداً رسول الله بأول رسول تنكر رسالته، كما أن السورة بجملتها فيها تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما يلاقي من مشركي قومه إذ نوح عليه السلام قد لاقى ما هو اشد وأطول مدة والآيات ناطقة بذلك وقوله تعالى: {أن انذر قومك} أي أرسلناه بإ~نذار قومه من قبل أن يأتيهم عذاب أليم هو عذاب الدنيا بالاستئصال وعذاب الآخرة بالاستمرار والدوام. وقوله تعالى: {قال يا قوم إني لكم نذير مبين} أي امتثل نوح أمر ربه وقال لقومه يا قوم أني لكم نذير مبين أي مخوف من عواقب كفركم بالله وشرككم به. {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} اعبدوه حده ولا تشركوا به شيئا واتقوه فلا تعصوه بترك عبادته ولا بالشرك به، وأطيعون فيما آمركم به وأنهاكم عنه لأني مبلغ عن الله ربي وربكم ولا آمركم إلا بما يكملكم ويسعدكم ولا أنهاكم إلا عما يضركم ولا بسركم فإِن تجيبوا لما دعوتكم إليه يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم غلى أجل مسمى أي إلى نهاية آجالكم فلا يعاجلكم بالعقوبة {إن أجل الله} أي بعذابكم إذا جاء لا يؤخر {لو كنتم تعلمون} أي لو علمتم ذلك لأنبتم إلى ربكم فتبتم إليه واستغفر تمره.

.من هداية الآيات:

1- تقرير النبوة المحمدية إذ الذي أرسل نوحاً يرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ومن شاء إلى من شاء.
2- تقرير التوحيد إذ نوح أرسل إلى قوم مشركين لإِبطال الشرك وتحقيق التوحيد.
3- تقرير معتقد القضاء والقدر لقوله: {ويؤخركم إلى أجل مسمى} أي في كتاب المقادير.

.تفسير الآيات (5- 20):

{قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)}

.شرح الكلمات:

{ليلا ونهارا}: أي دائما باستمرار.
{إلا فرارا}: أي منّي ومن الحق الذي أدعوهم إليه وهو عبادة الله وحده.
{جعلوا أصابعهم في آذانهم}: أي حتى لا يسمعوا ما أقول لهم.
{واستثنوا ثيابهم}: أي تغطوا بها حتى لا ينظروا إليّ ولا يروني.
{وأصروا}: على باطلهم وما هم عليه من الشرك.
{يرسل السماء عليكم مدرارا}: أي ينزل عليكم المطر متتابعا كلما دعت الحاجة إليه.
{ويجعل لكم جنات}: أي بساتين.
{مالكم لا ترجون لله وقارا}: أي لا تخافون لله عظمته وكبرياءه وهو القاهر فوق عباده.
{وقد خلقكم أطوارا}: أي حالا بعد حال فطورا نطفة وطورا علقة وطورا مضغة.
{وجعل الشمس سراجا}: أي مضيئة.
{أنبتكم من الأرض نباتا}: أي أنشأكم من تراب الأرض.
{ثم يعيدكم فيها}: أي تقبرون فيها.
{ويخرجكم منها إخراجا}: أي يوم القيامة.
{سبلا فجاجا}: أي طرقا واسعة.

.معنى الآيات:

هذه الآيات تضمنت لوحة مشرقة يهتدي بضوئها الهداة الدعاة إلى الله عز وجل إذ هي تمثل عرض حال قدمه نوح لربه عز وجل هو خلاصة دعوة دامت قرابة تسعمائة وخمسين سنة ولنصغ إلى نوح عليه السلام وهو يشكوا إلى ربّه ويعرض عليه ما قام به من دعوة إليه فقال: {رب إني دعوت قومي} وهم أهل الأرض كلهم يومئذ {ليلا ونهارا} أي باليل وبالنهار إذ بعض الناس لا يمكنه الاتصال بهم إلا ليلا {فلم يزدهم دعائي} أياهم إلى الإِيمان بك وعبادتك وحدك {إلا فرارا} مني ومما أدعوهم إليه وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم بأن يستغفروك ويتوبوا إليك لتغفر لهم {جعلوا أصابعهم في آذانهم} حتى لا يسمعوا ما أقول لهم، {واستغشوا ثيابهم} أي تغطوا بها حتى لا يروني ولا ينظروا إلى وجهي كراهة لي وبغضا فيّ {وأصروا} على الشرك والكفر إصراراً متزايداً عنادا {واستكبروا استكبارا} عجيباً.
{ثم إني دعوتهم} إلى توحيدك في عبادتك وإلى ترك الشرك فيها {جهارا} أي مجاهرا بذلك {ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا} بحسب الجماعات والظروف أطرق كل باب بحثا عن استجابتهم للدعوة وقبولهم للهدى فقلت {استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا} أي ينزل عليكم المطر متتابعاً فلا يكون قحط ولا محل {ويمددكم بأموال وبنين} كما هي رغبتكم {ويجعل لكم جنات} بساتين ذات نخيل وأعناب {ويجعل لكم أنهاراً} تجري في تلك البساتين تسقيها. ثم التفت إليهم وقال لهم منكرا عليهم استهتارهم وعدم خوفهم {ما لكم لا ترجون لله وقارا} أي ما دهاكم أي شيء جعلكم لا ترجون لله وقارا لا تخافون عظمته وقدرته وكبرياءه {وقد خلقكم أطوارا} ولفت نظرهم إلى مظاهر قدرة الله تعالى فقال لهم {ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا} سماء فوق سماء مطابقة لها {وجعل القمر فيهن نورا} ينير ما فوقه من السموات وما تحته من الأرض {وجعل الشمس سراجاً} وهاجا مضيئا يضيء بوجهه السموات وبقفاه الأرض كالقمر {والله أنبتكم من الأرض نباتا} إذ أصلكم من تراب والنطف أيضا، الغذاء المكون من التراب ثم خلقتكم تشبه النبات وهي على نظامه في الحياة والنماء.
{ثم يعيدكم فيها} أي في الأرض بعد الموت فتدفنون فيها {ويخرجكم منها} أيضا {إخراجا} يوم القيامة للحساب والجزاء {والله جعل لكم الأرض بساطا} أي مفروشة مبسوطة صالحة للعيش فيها والحياة عليها، {لتسلكوا منها سبلا فجاجا} أي طرقا واسعة وهكذا تجول بهم نوح عليه السلام في معارض آيات الله الكونية وكلها دالة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته وهي موجبة للعبادة له عقلا ونفيها عما سواه كانت هذه مشكلة نوح وعرض حاله على ربّه وهو أعلم به وفي هذا درس عظيم للدعاة الهداة المهدين جعلنا الله منهم آمين.

.من هداية الآيات:

1- رسم الطريق الصحيح للدعوة القائم على الصبر وتلوين الأسلوب.
2- بيان كره المشركين للتوحيد والموحدين أنهم لبغضهم لنوح ودعوة التوحيد سدوا آذانهم حتى لا يسمعوا وغطوا وجوههم حتى لا يروه واستكبروا حتى لا يروا له فضلا.
3- استعمال الحكمة في الدعوة فإِن نوحاً لما رأى أن قومه يحبون الدنيا أرشدهم إلى الاستغفار ليحصل لهم المال والولد.
4- استنبط بعض الصالحين من هذه الآية أن من كانت له رغبة في مال أو ولد فليكثر من الاتسغفار الليل والنهار ولا يمل يعطه الله تعالى مراده من المال والولد.